جوزي دخل المحكمة
تانية تحب تضيفها؟ كريم سكت، لكن أنا عرفت من نظرة عينه إن لسه فيه حاجة، حاجة أكبر، لأن الليلة اللي قبل الجلسة، كنت أنا كمان مجهزة مفاجأة.
فتحت حقيبتي، طلعت ملف أسود، وحطيته قدام القاضية ده مش بس كشف حسابات. القاضية فتحته؛ أول ورقة كانت تحويل بنكي، الثانية، الثالثة، ثم مجموعة فواتير. قالت إيه ده؟ قلت فلوس من حسابنا المشترك اتحولت لشركة باسم مختلف.
محامي كريم قرب، بص على الورق، وشه تغير. قلت الشركة دي مملوكة لشخص اسمه محمود الجندي. القاضية سألت مين محمود الجندي؟ رد كريم بسرعة ابن عمي. ابتسمت عارف، بس محمود الجندي ملوش علاقة فعلية بالشركة. حطيت قدامها مستند المالك الحقيقي هو كريم.
المحكمة كلها بدأت تهمهم، كريم بصلي كأنه شايفني لأول مرة إنتِ عملتي إيه؟ قلت بهدوء عملت شغلي القديم، قبل ما أبقى زوجتك وأم ليلى، كنت بشتغل في التحقيقات المالية.
القاضية قلبت الصفحات واحدة واحدة، وبدأت تلاقي نمط واضح فلوس تخرج من حسابنا، تدخل شركة، الشركة تحولها لحساب آخر، والحساب الآخر يدفع أقساط عربية باسم نادين، ثم فواتير فندق، ثم دفعة مقدمة لشقة، كلها من فلوسنا.
القاضية رفعت عينيها أستاذ كريم، هل لديك تفسير؟ كريم قال دي فلوس شركتي. رديت لأ. وحطيت قدامها آخر ورقة دي محادثة من المحاسب بتاع شركته، بيطلب فيها منه يسجل المبالغ كمصاريف تشغيل. القاضية بصت للمستند ثم قالت هنحتاج نتحقق من كل المستندات دي، وأمرت بإحالتها للفحص.
كريم بدأ يفقد أعصابه دي مؤامرة! صړخت سهير ابني مستحيل يعمل كده!
وفي اللحظة دي... نادين قامت، الكل بص لها، كانت بټعيط وقالت أنا مش هتحمل أكتر من كده. كريم بص لها بړعب نادين، اقعدي. لكنها ما قعدتش وقالت أنا قلتلك من البداية إني مش عايزة أكون جزء من الموضوع ده. كريم قرب منها اسكتي. هي هزت راسها لأ. وبصت للقاضية التسجيل اللي سمعتيه ده حقيقي، وأنا اللي كنت بكلمه في التسجيل.
كريم اتجمد، نادين كملت وهو فعلًا نقل فلوس كتير من حساب مراته. كريم صړخ إنتِ مچنونة؟! أومال إنتِ... نادين ردت أنا كنت مصدقة إنك هتطلقها وتتجوزني، ووالدتك كانت عارفة. سهير قامت كدابة!
نادين فتحت شنطتها وطلعت موبايلها عندي رسائل. وهنا... كريم اندفع ناحية الموبايل، لكن قبل ما يوصل، موظف الأمن وقف قدامه. القاضية قالت أستاذ كريم، خطوة واحدة كمان وهتخرج من القاعة. رجع مكانه، ولأول مرة... ما كانش عنده أي كلام.
بعد ساعتين من التحقيقات الأولية، صدر قرار مؤقت لا حضانة كاملة لكريم، ولا بيع للبيت، ولا تصرف منفرد في الأموال المشتركة، وليلى تفضل معايا مؤقتًا، مع تنظيم رؤية الأب بالطريقة التي تراها المحكمة آمنة للطفلة.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت وأنا خارجة؛ كريم وقف قدامي من غير بدلته المرتبة، من غير ابتسامته، ومن غير الثقة، وقال منى... بصيت له إنتِ كسبتي الجولة دي. قلت دي مش لعبة يا كريم. سكت، ثم قال أنا كنت هصلح كل حاجة. ضحكت بمرارة بعد ما تاخد بنتي وبيتي وفلوسي؟ ما ردش.
ليلى كانت ماسكة إيدي، بصت لأبوها وقالت بابا... كريم قرب خطوة، أنا شددت إيدها، لكن ليلى هي اللي قالت أنا مش بكرهك، بس أنا مش عايزة أخاف منك تاني. الجملة دي كسرت حاجة في وشه، ولأول مرة، دموعه نزلت، لكن أنا ما رجعتش وخرجنا.
بعدها بأسبوعين، التحقيقات كشفت إن كريم فعلًا حوّل جزءًا كبيرًا من الأموال المشتركة إلى شركات مرتبطة به، وإن بعض المستندات التي قدمها للمحكمة عن إهمالي كانت مصطنعة ومبنية على وقائع تم ترتيبها عمدًا، أما التسجيل، فتم فحصه فنيًا، وثبتت سلامته، ومع شهادة نادين، بدأت الصورة كاملة تظهر، بعد ما نادين نفسها قررت تتراجع عن كل شيء وقدمت للمحكمة كل الرسائل والتحويلات اللي كانت عندها.
وبعد شهور من الإجراءات... صدر الحكم حضانة ليلى كانت ليا، والبيت فضل من حقنا حسب ما يثبت من الملكية والأموال المشتركة، وكريم أُلزم برد مبالغ مالية كبيرة تم تحويلها من غير وجه حق، بالإضافة إلى تبعات قانونية أخرى عن المستندات والتصرفات التي ثبتت ضده. أما سهير... فما بقتش قادرة حتى تقرب من ليلى زي الأول.
بعد ست شهور... كنت قاعدة في البلكونة، ليلى بتعمل رسمة، بصيت لها، كانت بترسم بيت، أنا وهي، وفي آخر الرسمة رسمت بابا بعيد شوية. سألتها بابا فين؟ قالت هنا. وأشارت للرسم. ليه بعيد؟ فكرت ثواني ثم قالت عشان أنا لسه بخاف. حسيت بغصة، لكن قلت لها الخۏف مش عيب يا حبيبتي. رفعت عينيها طب لما أبطل أخاف؟ ابتسمت ساعتها إنتِ اللي تقرري تقربي.
وفي نفس الليلة... جالي ظرف من المحامي، فتحته، كان فيه ورقة واحدة؛ رسالة من كريم، كان كاتب فيها أنا عارف إن مفيش كلام يقدر يرجع اللي حصل، بس لأول مرة فهمت إن خسارتي الحقيقية ما كانتش البيت ولا الفلوس، أنا خسړت ثقة بنتي، ودي حاجة مش عارف أشتريها بأي فلوس. قفلت الورقة، ما سامحتوش، مش دلوقتي، يمكن يومًا ما، يمكن لأ، لكن حاجة واحدة كنت متأكدة منها... أنا مش مطالبة أنسى علشان أكون إنسانة كويسة، وليلى مش مطالبة تحب حد بيخوفها، وبيتنا مش مجرد حيطان، والحقيقة، مهما اتأخرت... بتعرف دايمًا تلاقي طريقها.
بعد سنة كاملة...
كنت واقفة قدام نفس المحكمة، لكن المرة دي ما كنتش داخلة خاېفة، كنت داخلة وأنا ماسكة إيد ليلى. كريم كان واقف بعيد، بص لنا، ليلى بصت له، ثم سابت إيدي، مشيت ناحيته كام قدم، هو انحنى لمستواها وقال عاملة إيه يا ليلى؟ قالت كويسة. سألها لسه پتخافي مني؟ سكتت ثم قالت أقل.
دمعة نزلت من عينه، قال وأنا هفضل أحاول لحد ما تقوليلي لأ. ليلى بصت لي، وأنا هزيت راسي؛ مش موافقة على كل حاجة، لكن موافقة على حاجة واحدة، إن البنت دي أخيرًا بقى ليها حق تختار.
خرجنا من المحكمة، الشمس كانت قوية، ليلى جريت قدامي، وفجأة وقفت وقالت ماما! نعم؟ الموبايل البنفسجي لسه عندك؟ ضحكت أيوه. قالت خليه. ليه؟ ابتسمت وقالت عشان يفضل يفكرني إن صوتي مهم.
وقفت مكاني وبصيت لها، ست سنين فقط... لكنها علمتني درسًا ما كنتش محتاجة محكمة علشان أفهمه؛ أخطر حاجة ممكن يعملها الظالم، إنه يقنع المظلوم إن صوته ملوش قيمة. لكن الحقيقة؟ الصوت اللي بيتخاف منه... ممكن في يوم واحد... يقلب كل حاجة. ومن يومها، الموبايل البنفسجي ما بقاش مجرد موبايل، بقى عندي في درج مكتبي، وكل ما أشوفه... أفتكر إن الحقيقة مش محتاجة صوت عالي، محتاجة بس... حد يجرؤ يقولها.