جوزي دخل المحكمة

لمحة نيوز

جوزي دخل المحكمة وهو متأكد إنه هيخرج منها واخد البيت، وكل فلوسنا، وكمان الحضانة الكاملة لبنتنا.
كان فاكر إن كل حاجة مترتبة، وإن أنا خلاص خسړت.
لكن بنتنا اللي عندها ست سنين، دخلت المحكمة وهي مخبية في جيبها موبايل بنفسجي صغير، وبصمت راحت للنيابة قصدي للقاضية وقالتلها ممكن حضرتك تسمعي التسجيل ده؟
التسجيل اللي جوزي عمره ما تخيل إن حد هيسمعه.
الصبح ده، كان كريم داخل المحكمة بثقة غريبة، لابس بدلته الكحلي، وواقف قدام مراية عربية أخوه بيظبط أساور القميص، كأنه رايح اجتماع شغل مهم، مش رايح يهدم بيت عاش فيه سنين. محكمة الأسرة في القاهرة كانت هادية بشكل غريب، نور الشمس داخل من الشبابيك العالية، والناس قاعدة على الكراسي مستنية أدوارها، وكل واحد ماسك ورق في إيده ومشغول بمشكلته، وكل حاجة كانت شكلها منظمة ومرتبة، إلا حياتي أنا.
كريم الجندي كان قاعد قدامي على الناحية التانية، جنب المحامي بتاعه، وراهم كانت أمه، سهير، قاعدة بمنتهى الثبات، لابسة بدلة شيك ودلاية دهب صغيرة، وكل شوية ترفع راسها كأنها هي صاحبة المكان. أما البنت اللي كانت قاعدة على بعد كام كرسي منهم، فكانت نادين، سكرتيرة كريم، البنت اللي بقالها شهور بتظهر في حياتنا بشكل صدفة زيادة عن اللزوم.
كريم بصلي بنظرة كلها ثقة، كان متأكد إنه كسب، ومرتاح إن البيت هيبقى من نصيبه، وإن الفلوس اللي في حساباتنا هتفضل معاه، وإنه كمان هياخد حضانة بنتنا الوحيدة، ليلى، اللي عندها ست سنين. حسب الورق اللي المحامي بتاعه مقدمه، أنا ست مهملة، عصبية، حالتي النفسية مش مستقرة، ومش بعرف أوفر لبنتي البيئة المناسبة.
كنت قاعدة قدامهم، حاطة إيدي فوق بعض في حجري، وبسمع ناس بالكاد يعرفوني بيتكلموا عن حياتي وكأنهم عاشوا معايا في نفس البيت، كأن أنا مش موجودة. أم كريم تنهدت تنهيدة مقصودة، وبصت للقاضية وقالت بصوت هادي كله تمثيل ابني عمره ما قصر في بيته يا سيادة المستشارة، هو كل اللي عايزه إن بنته تعيش حياة مستقرة، بعيد عن المشاكل.
مستقرة! كنت ھموت وأضحك. كريم كان بيسمي الاستقرار إنه يسحب فلوس من حسابنا المشترك من ورايا، وبيسمي الاستقرار إنه يلغي كروت البنك بتاعتي من غير حتى ما يقولي، وأمه كانت بتسمي الاستقرار إنها تقعد جنب ليلى وتقولها في ودنها ماما تعبانة ومش فاهمة هي بتعمل إيه يا حبيبتي... بابا هو اللي عارف مصلحتك. كنت سامعة الجملة دي أكتر من مرة، بس كل مرة كانت بتوجعني أكتر.
رفعت عيني ناحية نادين، كانت قاعدة بمنتهى البراءة، عاملة نفسها مجرد صاحبة جت تقف جنب كريم في محنته، لكن عيني وقعت على الإسورة اللي في إيدها؛ إسورة دهب رفيعة، فيها حجر أزرق صغير، أنا كنت شوفتها قبل كده من كام شهر، كانت مرمية في درج العربية بتاعة كريم، ووقتها سألته عنها فضحك وقاللي دي بتاعة واحدة من البنات في الشغل، غالبًا نسيتها. وقتها صدقته، أو بالأصح... كنت بحاول أصدقه، لحد ما كل حاجة بدأت تتكشف.
القاضية، المستشارة منى عبدالسلام، قلبت شوية في الملفات قدامها، وبعدها رفعت عينها وبصتلي حضرتك جاية من غير محامي؟ بلعت ريقي وقلت أيوه يا سيادة المستشارة. محامي كريم ابتسامة جانبية ابتسمها، وواضح إنه كان شايف إن دي نقطة في صالحهم، وكريم نفسه رجع بظهره لورا، وحط إيده على مسند الكرسي بثقة؛ بالنسبة لهم، إني دخلت المحكمة لوحدي معناه إني ضعيفة، معناه إني مش عارفة أتصرف، ومعناه إنهم خلاص حاصروني من كل ناحية.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه... إن قبل ما أسيب شغلي وأقعد في البيت عشان أربي ليلى، كنت بشتغل حوالي عشر سنين في مجال التحقيقات المالية، كنت بعرف أدور ورا الأرقام، وأعرف الفلوس راحت فين، ومين حوّلها، وإمتى، ولمين، وعلى مدار شهور، كنت بجمع كل حاجة في هدوء كل تحويلة غريبة، كل فاتورة مزورة، كل حساب مشترك اتسحب منه مبلغ من غير علمي، كل إيصال فندق، كل رسالة، وكل تناقض في كلام كريم. ما واجهتوش، وما عملتش خناقة، وما رحتش لأمه أصرخ في وشها، كنت بس بجمع ورقة ورا ورقة، وصورة ورا صورة، لحد ما بقى عندي ملف لو اتفتح قدام المحكمة، مش كريم بس اللي هيتحاسب.
لكن كان فيه حاجة واحدة كانت موجعاني أكتر من الفلوس اللي اختفت، وهي إن كريم كان بيعلّم بنتنا الخۏف؛ كان بيعلّم ليلى إن قول الحقيقة ممكن يجيب مصېبة، وإن اللي يشوف حاجة غلط يسكت، وإن لو اتكلم... ممكن يخسر باباه. كنت شايفة ده بعيني، وكان أكتر شيء بيكسر قلبي.
وفجأة... باب المحكمة اتفتح، الكل بص ناحية الباب، ليلى دخلت، كانت حضنة الأرنب القماشي بتاعها تحت دراعها، وشعرها مربوط بديل حصان صغير، ووشها كان شاحب على غير عادتها، مشت بخطوات بطيئة، خطوة... وبعدها خطوة، لحد ما وقفت جنبي، بصتلي الأول، وبعدين بصت ناحية أبوها.
كريم أول ما شافها، ابتسم ابتسامة الأب الحنون اللي كان بيحاول يثبت بيها قدام المحكمة إنه أحسن أب في الدنيا، ورفع إيده لها بإشارة صغيرة كأنه بيقولها تعالي هنا.
ليلى ما اتحركتش، وأمه كمان مالت بجسمها لقدام وقالتلها بصوت واطي تعالي يا حبيبتي، اقعدي جنب بابا. لكن ليلى فضلت مكانها، حضنت الأرنب أكتر، وبعدين
 

تم نسخ الرابط