بعد ست سنين

لمحة نيوز

اتغيرت.
مش فاهمة.
مواليد اتبدلت.
ليه؟
عشان فلوس.
سكت.
ثم نظر إلى بطني.
وعشان بعض الأطفال كانوا مطلوبين من ناس أقوى من أي حد تتخيليه.
جمال شد الملف من إيده.
إنت جاي بعد سبع سنين عشان تقول لنا ده؟
الرجل رد
لأ.
ابتسم ابتسامة باردة.
أنا جاي عشان أقول لكم إن سلمى مش أول ضحېة.
بص لي.
هي آخر واحدة.
بعد يومين، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
ياسر اتصل بيا.
صوته كان مختلف.
ما كانش مغرور.
ولا بارد.
كان مړعوپ.
قال
سلمى... لازم أشوفك.
مش عايزة أشوفك.
لو ما قابلتينيش، هتندمي.
تهددني؟
لأ.
سكت.
ثم قال
بحذرك.
من إيه؟
صوته انخفض
من جمال.
قفلت المكالمة.
لكن بعدها بدقيقة وصلتني رسالة.
صورة.
كانت صورة جمال وهو شاب.
واقف قدام مكان مجهول.
وبجانبه...
أبويا.
وخلفهم سيارة محترقة.
وتحت الصورة رسالة
اسألي جمال مين كان جوه العربية.
رفعت عيني.
جمال كان واقف قدامي.
ناولته الموبايل.
قرأ الرسالة.
وسكت.
قلت
مين كان جوه العربية؟
ما ردش.
جمال.
فضل ساكت.
ثم قال
أخوكِ.
اتجمدت.
أنا ما عنديش أخ.
قال
كان عندك.
قلبي انقبض.
كان عندي؟
أبوكِ ما قالكش.
ليه؟
جمال بصلي بنظرة ما نسيتهاش طول عمري.
وقال
لأن أخوكِ ماټ... أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه.
وفي الليلة نفسها...
سمعت صوت من قدام البيت.
خرجت للشرفة.
لقيت راجل واقف في الضلمة.
طويل.
لابس جاكت أسود.
بص لي.
وبعدين رفع إيده.
وفي إيده صورة قديمة ليا وأنا طفلة.
قال من بعيد
سلمى.
أنا ما قدرتش أتحرك.
قال
أنا مش جاي أأذيك.
قرب خطوة.
أنا جاي آخد حقي.
ثم أضاف
أنا أخوكي.
وراءه مباشرة...
وقفت عربية ياسر.
الباب اتفتح.
ونزل ياسر.
لكن بدل ما يبص لأخويا...
بص لي أنا.
وبصوت مرتجف قال
سلمى... لازم تعرفي الحقيقة قبل ما تولدي.
ثم نظر إلى جمال.
وقال
لأن التوأم اللي في بطنها...
وسكت.
واحد منهم ممكن يكون مفتاح القضية كلها.
وفي اللحظة دي فهمت إن قصة جوازي من ياسر...
ما كانتش قصة جواز فاشل.
كانت قصة مؤامرة بدأت قبل ما أقابله بسنين.
وأنا...
كنت آخر قطعة فيها.
وقفت قدام ياسر وأنا حاطة إيدي على بطني.
كمّل.
بلع ريقه.
التوأم اللي في بطنك... واحد منهم ممكن يكون مفتاح القضية كلها.
جمال قرب منه.
كفاية.
لكن ياسر هز رأسه.
لأ. خلاص. كل حاجة انتهت.
بصيت له.
إنت خاېف.
ضحك ضحكة مکسورة.
أنا مش خاېف على نفسي.
بص لأخويا اللي كان واقف بعيد.
أنا خاېف منهم.
سألته
مين؟
الناس اللي كانوا أكبر مني.
جمال قال
الناس اللي أنت

اشتغلت معاهم.
ياسر سكت.
ثم قال
أبوكِ اكتشف إن فيه شبكة بتتلاعب بملفات الخصوبة وملفات المواليد.
بص لي.
لكن الموضوع ما كانش مجرد فلوس.
أمال إيه؟
كانوا بيغيروا بيانات أطفال حديثي الولادة، وبيبيعوا معلوماتهم لأشخاص عندهم نفوذ وفلوس.
حسيت ببرودة في جسمي.
وأبويا؟
أبوكِ اكتشف كل ده.
جمال أغمض عينيه للحظة.
وكان لازم يسكتوه.
قلت
يعني حاډث العربية...
جمال هز رأسه.
ما كانش حاډث.
سكت المكان كله.
ثم ظهر الرجل الذي قال إنه أخويا.
قال
أنا كنت في العربية.
بصيت له.
إنت؟
أيوه.
إزاي عشت؟
جمال هو اللي أنقذني.
بصيت لجمال.
ليه ما قلتليش؟
قال بصوت منخفض
لأن اللي عملوا الحاډث كانوا بيدوروا عليكِ أنتِ كمان.
أنا؟
أبوكِ كان مخبي آخر دليل عندك من غير ما تعرفي.
اتسعت عيناي.
فين؟
أخويا ابتسم بحزن.
في حاجة كنتِ بتملكيها من وإنتِ طفلة.
فكرت.
وفجأة افتكرت.
السلسلة الصغيرة اللي أبويا كان اداها لي يوم عيد ميلادي.
اللي احتفظت بيها سنين.
جريت على غرفتي.
فتحت صندوق قديم.
طلعت السلسلة.
جمال أخذها.
فك الجزء الخلفي منها.
وكان جواه كارت ذاكرة صغير جدًا.
نظرت له وأنا مش مصدقة.
قال جمال
أبوكِ خبّى الدليل الأخير هنا.
بعد أقل من ساعة، كنا كلنا في مكتب المحامي.
فتحنا الملفات.
وكانت الصدمة أكبر مما تخيلنا.
تحويلات مالية.
أسماء أطباء.
مراكز طبية.
أرقام حسابات.
وتسجيلات صوتية.
وفي واحدة منها...
كان صوت ياسر.
واضح.
صريح.
وهو بيتكلم عن تغيير نتائج تحاليلي.
وعن دفع فلوس للطبيب.
وعن تجهيز الطلاق.
لكن التسجيل الأخير كان الأخطر.
كان ياسر بيقول
بعد ما أطلق سلمى، كل حاجة هتختفي. محدش هيسأل عن الست اللي فضلت ست سنين مقتنعة إن العيب فيها.
سكتنا كلنا.
ثم ظهرت رسالة أخرى.
مرسلة من حساب ياسر.
وكان فيها
لو حصل حمل، لازم يتم التخلص من الملف قبل الولادة.
جمال رفع عينه لي.
دلوقتي فهمت ليه استعجل يطلقك.
قلت
عشان لو حملت، كان كل اللي عمله هينكشف.
بعد أيام، بدأت التحقيقات.
الطبيب اعترف.
موظفون من المركز اعترفوا.
وأسماء أكبر بدأت تظهر.
أما ياسر...
فحاول يهرب.
لكن قبل ما يقدر يخرج من البلد، اتقبض عليه.
آخر مرة شفته فيها كانت في المحكمة.
ما كانش لابس بدلته الغالية.
ما كانش واثق.
ما كانش بيبتسم.
كان واقف لوحده.
ولما شافني، قرب.
قال
سلمى.
ما رديتش.
أنا آسف.
بصيت له.
أنت مش آسف.
سكت.
أنت آسف إنك اتقفشت.
نزل عينه.
قلت
أنت ضيعت ست سنين من عمري.
دمعت عينه.
عارف.
لأ.
هزيت رأسي.
أنت ما تعرفش.
ومشيت.
من غير ما أبص ورايا.
مرت الشهور.
وفي يوم الولادة، كنت في المستشفى.
جمال كان واقف برا غرفة العمليات.
وأخويا كان جنبه.
بعد ساعات طويلة...
سمعنا صوت أول طفل.
ثم الثاني.
الممرضة خرجت وهي بتضحك.
مبروك.
جمال قام بسرعة.
هي كويسة؟
كويسة.
والأطفال؟
اتنين أولاد، الحمد لله.
جمال أغمض عينيه.
ولأول مرة...
بكى.
مش بكاء الراجل اللي فقد ناس كتير.
كان بكاء راجل أخيرًا شال حمل سنين من فوق قلبه.
بعد شوية دخل عندي.
كنت تعبانة.
لكن أول ما شفته ابتسمت.
قال
مبروك يا سلمى.
ضحكت.
مبروك ليك أنت كمان.
سكت.
بص للطفلين.
ثم قال
أبوكِ كان هيفرح بيهم.
دمعت عيني.
كان نفسه يشوفهم.
جمال قرب من السرير.
هو شافهم.
بصيت له باستغراب.
إزاي؟
حط الصورة القديمة على الترابيزة.
الصورة اللي فيها أبويا.
وقال
لأن كل حاجة عملها كانت عشان اليوم ده.
بعد سنة...
كنت واقفة في شرفتي.
الطفلان بيلعبوا في الحديقة.
وأخويا كان بيجري وراهم.
جمال كان واقف بعيد، بيصلح لعبة خشب.
بصيت له وابتسمت.
ما بقاش الراجل الغامض اللي كنت خاېفة منه.
بقى الشخص اللي وقف جنبي في أسوأ ليلة في حياتي.
الشخص اللي ما طلبش مني حاجة.
ولا استغل ضعفي.
ولا حاول ياخد مكان حد.
كان بس موجود.
ولما وقعت...
مد إيده.
قال لي
إنتِ مش محتاجة حد ينقذك.
أمال محتاجة إيه؟
ابتسم.
حد يفكرك إنك تقدري تنقذي نفسك.
بعد كل اللي حصل...
فهمت أخيرًا إن أكبر كڈبة صدقتها في حياتي ما كانتش إن ياسر بيحبني.
ولا إن حماتي كانت پتكرهني.
ولا حتى إن جمال كان مجرد جاري الغامض.
أكبر كڈبة...
كانت إني
صدقت إن قيمتي مرتبطة بقدرتي على الإنجاب.
ست سنين كاملة كنت فاكرة إن جسمي خانني.
لكن الحقيقة إن اللي خانني كانوا أقرب الناس ليا.
ويوم ما خرجت من بيتي بلا فلوس...
كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
ما كنتش أعرف إنها كانت بتبدأ.
أما ياسر...
فخسر مراته.
وخسر شغله.
وخسر كل فلوسه.
والأهم...
خسر الصورة اللي كان بيحاول يحافظ عليها طول عمره.
أما أنا؟
فما رجعتش له.
ولا احتجت أنتقم منه.
لأن الحقيقة لما ظهرت...
كانت أقوى من أي اڼتقام.
وفي صباح هادي، وأنا شايلة ابني الأول، والتاني نايم جنب جمال...
بصيت للبيت اللي كنت دخلته يومًا مکسورة.
وابتسمت.
لأن الراجل اللي كان ساكن قصادنا...
ما أنقذنيش من ياسر.
هو أنقذني من حاجة أخطر.
من فكرة إني كنت محتاجة ياسر أصلًا.
وهكذا...
بعد ست سنين من الجواز من غير أطفال...
بدأت حياتي الحقيقية يوم فقدت زوجي.
ويومها فقط فهمت
أحيانًا، الباب اللي بيتقفل في وشك مش نهاية الطريق...
أحيانًا بيكون أول باب لحياة عمرك ما كنت تتخيلي إنك تستحقيها.

تم نسخ الرابط