اشتغلت في شركة ابن عمها
من غيظه جرب. لكن تذكر، أنا موظفة كفاءة، ولست موظفة محاباة. إذا طردتني، سأرفع دعوى تعسف في استخدام السلطة، واسمك الذي تخاف عليه من الفضائح سيتصدر الصحف.
الأسابيع التي غيرت كل شيء
مرت الأيام، وتحول المكتب إلى ساحة معركة باردة. ياسين كان يضع ليلى تحت ضغط هائل، يكلفها بمشاريع مستحيلة المواعيد، يرفض تصميماتها، وينتقد أدق التفاصيل. لكن المفاجأة كانت أنها لم تكن ټنهار.
كانت ليلى تعمل لساعات متأخرة، تذاكر السوق، وتفاجئه بحلول إبداعية تجعل كبار المديرين في الشركة يشيدون بها. كان ياسين يراقبها من مكتبه الزجاجي، يراها وهي تضحك مع زملائها، يراها وهي تشرب قهوتها، يراها وهي تزداد قوة يوماً بعد يوم.
في إحدى الليالي، بينما كان الجميع قد غادر، وجدها في غرفة التصميم، رأسها بين يديها، تبكي في صمت.
دخل الغرفة، توقفت أنفاسه. اقترب منها ببطء، لم تكن تعرف بوجوده.
لماذا تفعلين كل هذا بنفسك؟ سأل بصوت ناعم، لأول مرة منذ سنوات.
رفعت رأسها، كانت عيناها محمرتين. لأني أحببتك لسنوات كحامي، وكنت أراقبك وأنت تبني إمبراطوريتك. كنت أريد أن أكون جزءاً منها.. ليس كابنة عم، ولا كواجب، بل كزميلة، كشريكة، كندية.
اقترب منها أكثر، ومسح دمعة فرت من عينها. لقد أصبحتِ نداً قوياً يا ليلى. أكثر مما كنت أتخيل.
هل هذا يعني أنك
فخور بي؟ سألت بهمس.
نظر إليها بتركيز، كانت الدبلة الفضة لا تزال في إصبعها. أنا لست فخوراً.. أنا مذهول. ومذهول أيضاً من مدى غبائي لأنني ظننت أنني أستطيع حمايتك من العالم، بينما كنت أنتِ تحمين نفسك مني.
الصدمة الكبرى
بينما كانت المشاعر تتأجج بينهما، حدث ما لم يكن في الحسبان. شركة منافسة لياسين، كانت تحاول الاستحواذ على تصاميم الجذور التي ابتكرتها ليلى. اكتشف ياسين أن هناك جاسوساً في قسم التصميم يسرب المعلومات.
في اجتماع طارئ، اتهم مدير الأمن ليلى بأنها هي من سربت التصاميم لباريس، مستغلة صلتها بياسين لتدخل الشركة وتدمرها.
تغير وجه ياسين، غادر الغرفة وترك ليلى في مواجهة اټهامات الجميع.
وقفت ليلى في منتصف المكتب، والجميع يهمس حولها. صړخت في وجههم أنا لم أفعل! أنا ضحيت بكل شيء لأكون هنا!
دخل ياسين، لكنه لم يدافع عنها. نظر إليها ببرود وقال سلمي متعلقاتك. أنتِ مطرودة.
نظرت إليه، كانت نظرة خيبة أمل انكسر فيها كل شيء. خلعت الدبلة الفضة، وضعتها على المكتب، وقالت بصوت مسموع للجميع شكراً يا ياسين. اليوم عرفت أنني لم أكن يوماً أكثر من ورقة في ملفاتك.
الحقيقة والخاتمة
بعد شهر من رحيلها، اكتشف ياسين الحقيقة. لم تكن ليلى الجاسوسة، بل كان مدير التسويق الذي كان يحقد على ياسين. وجد ياسين الأدلة، لكن الأوان كان قد فات. ليلى لم تعد موجودة. تركت القاهرة، وتركت وظيفتها، ولم يعد أحداً يعرف أين هي.
سافر ياسين إلى باريس، إلى كل الأماكن التي كان يخطط أن يرسلها إليها. بحث عنها في كل زاوية.
بعد ستة أشهر، وجدها في معرض فني صغير، كانت تعرض لوحاتها الجذور.
لم يتكلم. وقف أمام لوحتها الرئيسية كانت لوحة لرجل يقف خلف باب موارب، ينتظر خروج طفلة، لكن الطفلة في اللوحة كانت قد كبرت وفتحت باباً آخر للعالم.
اقتربت منه ليلى. لم تكن تبدو حزينة، بل كانت تبدو حرة.
لقد بحثت عنكِ في كل مكان، قال ياسين، صوته كان يحمل تعباً لم يشهده من قبل.
لماذا؟ سألت بهدوء.
لأني أدركت أن العالم بدونك أصبح بلا لون. كنت أحميكِ من كل شيء، إلا من حقيقة أنني لا أستطيع العيش من دونك.
ابتسمت ليلى ابتسامة حزينة، لكنها لم تلبس الدبلة الفضة.
ياسين، لقد انتهت وصايتك عليّ منذ زمن، لكنك بدأت اليوم تفهم أن قلبي ليس مشروعاً تديره. إذا أردتني، فعليك أن تبدأ من الصفر.. كشخص عادي، وليس كواصٍ.
وقف ياسين في المعرض، وسط الناس، وأدرك أن الرحلة الحقيقية لم تكن أبداً في شركته، بل في استعادة ثقة الشخص الذي كاد يفقده بسبب تسلطه.
منذ ذلك اليوم، أصبح ياسين يزورها في باريس كل شهر، كغريب يريد التعرف على حبيبة لم يعرفها يوماً. تعلم كيف ينتظر، وكيف يطلب، وكيف يحب دون أن يمتلك.
وفي ذكرى ميلادها الخامس والعشرين، عاد إلى باريس،
وقف أمامها، وأخرج دبلة جديدة، ليست فضة، بل من الماس.
هذه المرة، لا توجد وصاية. لا توجد شركة. لا
يوجد ماضٍ. هناك فقط أنا.. وليلى.
أخذت الدبلة، ونظرت إليه طويلاً.. ثم ابتسمت، وأومأت برأسها موافقة.
انتهت قصة الوصية، وبدأت قصة الحب الحقيقي.
تمت.