تزوجت من الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد

لمحة نيوز

اقتربت ببطء وهي تنظر إلى الچرح المفتوح قرب
أصابعي.
وفجأة
بكت.
قالت وهي تحدّق في يدي وكأنها ترى شيئًا لا تحتمله
كل هذا ونحن كنا نعيش هناك دون أن نشعر بأي شيء.
لم أعرف ماذا أقول وقتها.
لأنني لأول مرة شعرت أن أحدًا من عالمها يرى عالمنا فعلًا.
ليس كحكاية حزينة يسمعها الناس ثم ينسونها
بل كشيء حقيقي يمكن لمسه.
ومنذ ذلك اليوم بدأت تزور أمي كثيرًا.
في البداية كانت أمي متحفّظة معها بشكل واضح.
تراقبها بصمت طويل.
وكأنها تحاول أن تقرر هل تكرهها أم تشفق عليها.
لكنها مع الوقت بدأت تراها على حقيقتها.
امرأة خائڤة أكثر مما هي مؤذية.
وفي إحدى الليالي
سمعت أمي تسعل بقوة داخل غرفتها.
وقبل أن أتحرك
وجدتها تركض نحوها.
جلست بجانبها تساعدها على التنفس وترتب الوسادة خلف ظهرها بيدين ترتجفان.
ثم بقيت مستيقظة قربها حتى الفجر.
وفي الصباح
سمعت أمي تقول لها بصوت متعب
أنتِ لستِ أباكِ.
تجمّدت ملامحها بالكامل لحظة سماع الجملة.
ثم بدأت تبكي بصمت وكأن أحدًا فتح جرحًا قديمًا داخلها.
ومع مرور الأيام
بدأ شيء غريب يتغيّر بيننا.
لم يكن حبًا.
ولم يكن غفرانًا.
بل نوعًا من الفهم البطيء والمؤلم.
صرنا نتحدث أحيانًا لساعات طويلة.
عن الخۏف.
عن الوحدة.
عن الشعور بأن الحياة بدأت بشكل خاطئ منذ البداية.
هي كانت تخاف من الناس.
وأنا كنت أخاف أن أقترب منها أكثر مما ينبغي.
لأن جزءًا داخلي كان ما يزال يرى أخي كلما نظرت إلى الندبة أسفل بطنها.
لكن أكثر شخص تغيّر
كان والدها.
بعدما عرف أنني عرفت الحقيقة كاملة
لم يحاول ټهديدي.
ولم يحاول شراء صمتي أيضًا.
بل بدا وكأنه تعب أخيرًا.
صار أكثر هدوءًا.
وأقل ظهورًا.
حتى خطواته داخل البيت أصبحت أبطأ.
وكأنه يحمل داخله ثقلًا قديمًا بدأ ېقتله مع العمر.
وفي إحدى الليالي طلب أن نتحدث وحدنا.
جلس أمامي طويلًا دون كلام.
وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن الصمت بيننا أثقل من أي شجار.
ولأول مرة
لم أرَ رجل الأعمال الذي يخافه الجميع.
رأيت أبًا عجوزًا فقط.
لكن ذلك لم يجعلني أنسى شيئًا.
ثم قال بصوت متعب
أعرف أنك تكرهني.
لم أجب.
فأكمل بعد صمت قصير
ولو عاد الزمن سأفعل الشيء نفسه مرة أخرى حتى لا ټموت ابنتي.
شعرتُ بالڠضب يشتعل داخلي فورًا.
حتى أنني نهضت من مكاني پعنف.
حتى لو كان الثمن طفلًا آخر؟!
رفع عينيه نحوي ببطء.
ولم يدافع عن نفسه.
ولم يبرر.
قال فقط بصوت محطم
في تلك الليلة كنت مستعدًا أن أحرق العالم كله حتى لا أدفن ابنتي.
كرهته أكثر في تلك اللحظة.
لكني فهمته أيضًا بطريقة أرعبتني.
لأنني أدركت فجأة أن بعض البشر 
لا يرتكبون أسوأ أفعالهم بدافع الشړ
بل
بدافع الحب حين
يتحول إلى خوف أعمى.
ثم قال وهو ينظر إلى الأرض
بعض الآباء يتحول حبهم إلى أنانية دون أن يشعروا.
سكت قليلًا ثم أكمل
الطبيب قال إن أخاك لن يعيش غالبًا وتمسكتُ بهذه الجملة كأنها عذر.
تنفّس بصعوبة.
دفعت مالًا وأغلقت أفواهًا وأقنعت نفسي أنني أنقذ ابنتي فقط.
ثم رفع عينيه نحوي أخيرًا
لكنني في الحقيقة كنت أدمّر عائلة كاملة حتى لا أخسر ابنتي.
تلك كانت أول مرة يعترف فيها بشيء بهذا الوضوح.
ليس أمام الناس.
ولا أمام الشرطة.
بل أمامي أنا فقط.
وبشكل غريب
لم أشعر بالراحة بعد اعترافه.
لأن الاعتراف لا يعيد المۏتى.
ولا يجعل الطفل الذي دُفن قبل سنوات يفتح عينيه من جديد.
بعدها بأشهر بدأت علاقتي بها تستقر بطريقة غريبة.
لا نحن زوجان طبيعيان.
ولا نحن غريبان.
شيء معلّق بين الاثنين.
أحيانًا نقترب كثيرًا
ثم يعود الماضي فجأة ليقف بيننا كجدار بارد.
وأحيانًا كانت تستيقظ من نومها وهي تبكي بعدما ترى طفلًا صغيرًا في أحلامها يناديها.
وفي بعض الليالي
كانت تضع يدها فوق الندبة أسفل بطنها وتظل صامتة طويلًا وكأنها تسمع شيئًا لا أستطيع سماعه.
أما أنا
فكنت أرى أخي كلما نظرت إلى تلك الندبة.
أراه يركض في الحارة القديمة
ثم يختفي داخل غرفة العمليات إلى الأبد.
وفي يوم ممطر
كانت عائدة مع والدها من زيارة طبيبها النفسي عندما وقع حاډث على الطريق السريع.
سيارة فقدت السيطرة وسط المطر واصطدمت بهم پعنف.
أصيبت هي بچروح خفيفة
لكن والدها دخل العناية المركزة.
وعندما وصلتُ إلى المستشفى
وجدتها
جالسة على الأرض قرب باب الطوارئ تبكي كطفلة صغيرة.
كانت ترتجف بالكامل وتكرر بصوت مخڼوق
لا أريد أن ېموت
لا أريد أن أخسره
حتى الممرضات لم يستطعن تهدئتها.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت حقيقة صراعها كله.
هي لا تدافع عنه لأنه بريء.
ولا لأنها نسيت ما فعله.
بل لأنه أبوها.
الرجل نفسه الذي دمّر حياة عائلة كاملة
هو نفسه الرجل الذي كان يحملها بين ذراعيه كل ليلة خوفًا عليها وهي صغيرة.
وفي مجتمعاتنا
الأب يبقى شيئًا متجذرًا داخل القلب بطريقة مرعبة.
حتى حين يتحول إلى چرح.
وبعد ساعات طويلة خرج الطبيب وأخبرنا أن حالته استقرت.
رأيتها ټنهار وقتها من شدة البكاء.
وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الليل.
لكن الحاډث غيّره فعلًا.
بعد خروجه من المستشفى
لم يعد الرجل نفسه.
صار أهدأ.
وأقل سيطرة عليها.
حتى صوته أصبح أخف.
وكأنه أدرك أخيرًا أن المۏت يقترب من الجميع مهما امتلكوا من مال ونفوذ.
وفي إحدى المرات
سمعته يقول لها بهدوء
عيشي حياتك لا تعيشي داخل خطئي أنا.
تجمّدت يومها من الصدمة.
لأنها كانت أول مرة أراه يعترف، ولو بطريقة غير مباشرة، أن ما فعله لم يكن مجرد تصرف أب خائڤ
بل خطيئة تطارد الجميع.
أما هي
فبدأت تتعافى تدريجيًا.
ليس من الماضي
بل من كرهها لنفسها.
بدأت تخرج أكثر.
تزور أمي أحيانًا.
وتساعد بعض العائلات الفقيرة بسرية تامة.
وفي كل مرة كانت ترى طفلًا مريضًا
كنت ألاحظ ذلك الۏجع القديم يمر داخل عينيها للحظة.
ولأول مرة منذ عرفتها
رأيتها تضحك دون خوف.
ضحكة حقيقية
ليست معتذرة.
أما أنا
فاكتشفت أنني لم أعد
أبحث عن الاڼتقام.
لأن الاڼتقام لن يعيد أخي.
ولن يغيّر شيئًا مما حدث.
وأدركت متأخرًا أن الكراهية الطويلة تشبه حمل حجر ثقيل داخل الصدر لسنوات
دون أن يسقط أبدًا.
وفي النهاية
لم نبقَ معًا لأننا نسينا ما حدث.
ولم نبقَ معًا لأن الماضي اختفى فجأة وكأن شيئًا لم يكن.
بل لأننا، بعد كل ذلك الألم، أصبح كل واحدٍ منا يرى چرح الآخر بوضوح لا يمكن الهروب منه.
هي لم تعد بالنسبة لي ابنة الرجل الذي دمّر عائلتي.
وأنا لم أعد بالنسبة لها أخو الطفل الذي ماټ بسببها.
صرنا شخصين يحمل كلٌّ منهما بقايا کاړثة قديمة
ويحاول فقط أن يتنفس بعدها.
علاقتنا لم تتحول إلى قصة حب مثالية كما يحدث في الحكايات.
حتى بعد سنوات
كانت هناك لحظات صمت طويلة بيننا.
لحظات يعود

تم نسخ الرابط