بني سرق خزنة العيلة
"أمي الغالية..
لو بتقرأي الكلام ده، فده معناه إني خلاص مش في الدنيا، وإني أخيرًا ارتحت من الحمل اللي شلته على ضهري تلاتة وعشرين سنة.
أنا عارف إنك بتكرهيني. عارف إنك بتدعي عليا في كل صلاة. وعارف إن الناس كلها قالت عليا الابن العاق اللي سرق شقى أبوه وموّته بحسرته. بس الحقيقة يا أمي غير كده خالص.
فاكرة الأربعة مليون ونص اللي كانوا في الخزنة؟ الفلوس دي مكنتش كلها شقانا. أبويا، الحاج مصطفى اللي كنتي بتشوفيه أطيب إنسان في الدنيا، كان متورط في حاجة أكبر منه ومننا. عشان يشتري المطعم ويكبره، استلف مبلغ ضخم من "كمال الضبع".. أكبر مرابي وتاجر سلاح في السوق السودا وقتها. أبويا مضى على شيكات وإيصالات أمانة مش بس بفلوس، ده مضى على حياتنا كلنا.
في الليلة اللي قبل ما أختفي، أنا كنت سهران في المطعم براجع الحسابات وسمعت أبويا بيتكلم في التليفون وهو بيعيط. كمال كان بيهدده؛ إما الدفعة الأخيرة تتسدد بكرة الصبح، أو المطعم هيتولع فيه، وأنا وانتي هندفع التمن من دمنا. أبويا كان ناوي يسلملهم كل الفلوس اللي في الخزنة، بس حتى دي مكنتش هتكفي الفوايد، وكانوا هياخدوا المطعم برضه وهيأذوكي.
مكنش قدامي حل تاني يا أمي. لو كنت واجهت أبويا، مكنش هيقدر يحميكي. ولو كنت بلغت البوليس، كمال كان هيقتلنا قبل ما البوليس يتحرك. كان لازم أعمل مسرحية. كان لازم أسرق الفلوس، وأسرق معاها "دفتر الحسابات السري" بتاع كمال اللي أبويا كان مخبيهوله كأمانة، وأهرب.
أنا هربت عشان أسحب الخطر ورايا. خليت كمال ورجالته يفتكروا إني طمعت في الفلوس وهربت بيها. بقوا يطاردوني أنا، وسابوكوا إنتوا. لما أبويا مات من الصدمة، كمال اعتبر إن الحساب اتقفل، وإن الأرملة المكسورة اللي باعت المطعم عشان تسدد ديون جوزها ملهاش لازمة.
الفلوس دي، اللي فضلت من شقانا الحقيقي، أنا ملمستش منها قرش. عشت في الصعيد تحت اسم مزيف، اشتغلت فاعل، وشيال، وبياع متجول. عشت أفقر من أفقر واحد، بس كنت بنام مرتاح إني فديتك بعمري وسمعتي. مريم بنتي عاشت معايا في فقر، بس ربيتها على إن جدتها دي أعظم ست في الدنيا.
سامحيني يا أمي إني خليتك تعيشي في وجع.. بس ده كان التمن الوحيد عشان تعيشي أصلًا."
الحقيقة اللي كسرتني
الورق وقع من إيدي. ركبي مشالتنيش ووقعت على الأرض.
صوت عياطي كان بيشق جدران المخزن. تلاتة وعشرين سنة وأنا بدعي على ابني في صلاتي! تلاتة وعشرين سنة وأنا بشوفه شيطان، وهو كان الملاك اللي شال خطايا أبوه ودفع تمنها من شبابه وعمره وسمعته.
مصطفى، جوزي اللي عشت عمري كله أترحم عليه وأبكي على طيبته، كان هو السبب في كل الخراب ده. وأحمد، الابن اللي تبريت منه، كان هو اللي فداني. يا وجع قلبي اللي ملوش دوا! إزاي اتحمل كل ده لوحده؟ إزاي عاش ومات وهو محروم من حضني عشان يحميني؟
مريم نزلت على ركبها جنبي، حضنتني وهي بتعيط معايا. ريحتها كانت ريحة أحمد. مسكت فيها كأني بمسك في ابني اللي رجعلي بعد غياب، وصرخت: "سامحني يا ضنايا.. سامحني يا أحمد!"
ما بعد العاصفة (النهاية)
مريم فتحت الخزنة اللي في المخزن. كان فيها رزم فلوس قديمة، بس قيمتها كانت لسه محفوظة، ومعاها دفتر صغير متسجل فيه تفاصيل شقانا الحقيقي اللي أحمد قدر يفصله عن الفلوس الحرام.
مرت الأيام، والفلوس دي مكنتش بالنسبالي ثروة، دي كانت "دم ابني".
قررت إني مش هعيش بقية عمري في ندم، لأن أحمد مكنش هيحب يشوفني مكسورة كده. أخدت الفلوس، وبمساعدة مريم، فتحنا مطعم صغير في نفس الحي بتاعنا في شبرا. مسمتوش "مطعم المصطفى" المرة دي.. سميته "خير أحمد".
المطعم ده مكنش بيكسب فلوس على قد ما بيكسب دعوات. نص الأكل اللي بيطلع منه بيروح لله، للمحتاجين، وللناس اللي الدنيا داست عليهم زي ما داست على ابني. مريم عايشة معايا، ملت عليا شقتي وحياتي، وبقت هي العكاز اللي بتسند عليه، وهي الأثر الطيب اللي سابهولي أحمد.
الحكمة اللي اتعلمتها:
أحيانًا، أسوأ الناس في عينينا بيكونوا هما اللي دفعوا أغلى تمن عشان يحمونا وإحنا مش حاسين. أوعى تحكم على قصة من غير ما تقرأ أخر صفحة فيها، وأوعى تقسى على حد غايب، يمكن غيابه ده هو اللي مخليك لسه موجود. المظاهر خداعة، والقلوب فيها أسرار ميعلمهاش غير ربنا.
لو في يوم حسيت إن الدنيا ظلمتك، افتكر إن فيه ناس اتظلمت في سمعتها وعمرها عشان بس تشوفك بخير.
هل القصة لامست قلبك؟ لو تحب نناقش أي تفاصيل فيها أو نغير في الأحداث، أنا معاك!