عصر يوم الجمعة
شهرين من غير ما أعرف أكل كويس.
قعدت على حرف السرير قدامها، ومسكت إيدها الباردة وهي بترتجف
مريم، اتكلمي واضحة بنتنا مالها؟
بصتلي بعيون مليانة ړعب وتوسل
ليان قلبها بينبض بطريقة مختلفة. الدكاترة في المستشفى الخاصة اللي ولدت فيها السر الصغير ده قالوا إن عندها حالة نادرة جداً في صمامات القلب، وممكن تحتاج عملية جراحية دقيقة جداً وأسلوب رعاية ما يتوفرش غير في مراكز طبية عالمية متخصصة وأنا أنا فلوسي خلصت يا آسر. كنت باكل بسكوت ומية في الأسبوعين اللي فاتوا عشان أسيب الحفاضات
واللبن ليها!
الجملة نزلت على دماغي زي الصاعقة. الفلوس اللي كنت باكل بيها الجو والشركات والصفقات بالمليارات بنتي كانت محتاجة جزء منها عشان تفضل عايشة، وأنا كنت غارق في السفر ولندن ودبي ومش حاسس بأي حاجة!
ضغطت على إيديها بقوة لحد ما حسيت بعظم صوابعها
من اللحظة دي مفيش كلام عن الفلوس، ومفيش كلام عن إنكم هتمشوا مكان. ليان مش مجرد مسؤولية يا مريم ليان هي روحي التانية اللي أنا ضيعتها من غبائي.
مريم بصتلي بتأثر شديد، ودموعها نزلت بصمت. سابت ليان بالراحة في حضڼي لأول مرة.
إحساس غريب ومخيف اجتاحني لما حسيت بوزن الطفلة الصغيرة بين إيديا. كانت خفيفة زي الريشة، دافية، وريحتها بتشبه ريحة الورد الجوري. بصتلي بعينيها الواسعة السوداء، وكأنها بتبص جوه روحي وتسامحني على كل غيابي.
تعالي قلت لمريم وأنا باخدها في حضڼي بإيدي التانية بحنان عميق إحنا هنسافر بكرة الصبح بأطيارة خاصة لأكبر مستشفى في لندن وهنجيب أحسن جراحين أطفال في العالم. بنتي هتعيش يا مريم، وأنا مش هسيبكم تاني أبدًا.
مرت الأيام والأسابيع كأنها حلم طويل.
سافرنا لندن في نفس اليوم على متن طائرة خاصة مجهزة طبياً بالكامل، ومعانا فريق من أطباء الأطفال المرافقين. في مستشفى كينجز كوليدج بلندن، كان استقبالنا على أعلى مستوى. جراح القلب العالمي الشهير، البروفيسور ديفيد هارسون، بنفسه أشرف على حالة ليان.
العملية الجراحية اللي استغرقت ست ساعات كاملة كانت الأطول في حياتي. قعدت أنا ومريم في غرفة الانتظار الباردة، بنبص لبعض من غير كلام، بس نظراتنا كانت بتعترف بكل غلطة وكل عناد قديم. في اللحظة دي، أي نجاح مالي أو منصب مهني فقد قيمته تماماً قدام نبضة قلب صغيرة واحدة طالعة من غرفة العمليات.
لما خرج البروفيسور هارسون وشال قناعه الطبي وهو مبتسم، حسيت إن الدنيا رجعت تتنفس تاني.
العملية نجحت بنجاح باهر يا آسر، صمام القلب اتصلح تماماً، وليان قوية جداً وهتتعافى بشكل كامل خلال أسابيع قليلة.
مريم اڼهارت في عياط فرحة، ورمت نفسها في حضڼي لأول مرة من سنين. ضميتها بقوة وجسمي كله كان بيرتجف من راحة البال اللي هجمت عليا فجأة. همست في ودنها الحمد لله رجعتي لي، وبنتنا بقت بخير.
رجعنا القاهرة بعد شهر، بس البيت ماكنش هو البيت القديم.
الشقة الفاخرة اللي كانت سرداب للوحدة والشغل الهوس، بقت ملوية بضحكات ليان ورائحة البهجة والأمومة. مريم رجعت لاستعادة صحتها وهدوءها، وبقيت أشوف فيها الإنسانة الحقيقية اللي حبيتها زمان ونسيت أقدرها وسط زحمة الطموح الأعمى.
في يوم خميس بليل، كنت قاعد في جنينة الشقة البانورامية اللي بتطل على النيل، وليان نايمة على صدري بسلام وهدوء تام.
قربت مريم ومعاها كوبايتين قهوة، وقعدت جنبي على الكرسي الهزاز. بصت لبنتنا بحنان وقالت بصوت هادئ
عارف يا آسر؟ كنت خاېفة أوي، وكنت فاكرة إنك عمري ما
هتهمني تاني بعد الطلاق.
مسكت إيدها التانية وبستها برقة
أنا اللي كنت أعمى يا مريم. النجاح الحقيقي مش الأرقام اللي في البنك، النجاح الحقيقي هو إني أشوفك إنتي وبنتنا بتضحكوا قدامي كل يوم الصبح.
سندت راسها على كتفي، وقالت بابتسامة دافية
إذن ناوي تسافر دبي تاني قريب؟
ابتسمت بحب وشددت على حضڼ ليان
سفري الوحيد دلوقتي بقى بين أوضتك وأوضة ليان ومستحيل أسافر مكان تاني أبدًا.
تتمة القصة بقلمي، ودمتم سالمين