جدتي محضرتش فرحي

لمحة نيوز

وفي اللحظة دي
كريم دخل أوضة ٣١٤.
كان متوتر.
افتكرت ده طبيعي.
ابتسمت وقلتله
مالك؟ شكلك مړعوپ.
ضحك وقال
يوم كبير.
وقرب مني ومد إيده.
لكن وهو بيمدها
كم الجاكيت طلع لفوق.
ولأول مرة
تيتة شافت الندبة الكبيرة اللي قاطعة رسغه الشمال.
في ثانية
وشها اتغير.
ابتسامتها اختفت.
إيديها راحت على عقد اللولي.
وهمست
لأ
وبعدين صړخت
لأ لأ لأ!
العقد اتقطع.
وحبات اللولي اتناثرت في الأرض.
وشاورت على كريم وهي بتصرخ
إنت!! إزاي تكون إنت؟!
الأوضة كلها سكتت.
كريم نزل الكم بسرعة
بسرعة زيادة.
وفي اللحظة دي
بطلت أحس إني عروسة.
بصيتله
وقلت
وريني إيدك.
بصلي بنفس النظرة اللي وثقت فيها بسرعة.
وقال بصوت واطي
يا سارة لازم تعرفي الحقيقة وتعرفي أنا دخلت حياتك ليه. وبعد اللي هتعرفيه مفيش أي رجوع 
سكتت الأوضة كلها، مفيش صوت غير تنفس تيتة المتقطع ونبضات الجهاز اللي بدأت تسرع زي ما قلبها بيحاول يهرب من الذكرى اللي رجعت فجأة. كريم باصص للأرض أولًا، بعدين رفع عينه ناحيتي وبدا يتكلم بصوت هادي ومتثاقل، كل كلمة بتطلع منه كأنها محملة بوزن سنين طويلة
أنا لقيتك يا سارة مش صدفة زي ما كنتِ فاكرة. ولا المطر هو اللي جمعنا أول مرة. كنت أتابعك من بعيد من زمان، أعرف كل خطوة بتخطيها، كل طريق تمشي فيه، كل حكاية تحكيها لجدتك لأن الحكاية دي بدأت قبل ما تخلقي أنتِ أصلاً.
خطا خطوة صغيرة لقدام، ورفع كمه ببطء المرة دي من غير ما يخبي وظهرت الندبة الطويلة واضحة قدام الكل. تيتة كانت ماسكة طرف الغطاء بأصابعها اللي بترتعش، وعينيها مثبتة عليها كأنها بتشوف شبح من الماضي.
كمل
هذه الندبة جابتها تيتة أمينة نفسها قبل عشرين سنة بالظبط. في نفس الشارع القديم، قدام البيت اللي كنتِ عايشة فيه وأبويا كان شغال عنده. ساعتها كان أبويا شريك في مشروع، واتسرق كل فلوسه واتهموه بالغش، وكل الدلائل كانت متلزقة فيه إلا شخص واحد بس كان يعرف الحقيقة جدتك.
لف ناحيتها وهي بتبصله بترقب وۏجع قديم راجع من جديد
أنتِ اللي شفتي اللي حصل لكنهم هددوكِ، وقالولكِ لو تكلمي هتضيعي كل حاجة، وهتتأذى بنتك اللي هي مامتك وطفلها اللي جاي. ساعتها كنتِ خاېفة عليها أكتر من أي حاجة، فسكتِ بس قبل ما تسكتي، حاولتي تمنعيهم من كسر الدليل، وجرحتِ إيدي بالسکينة دي.
همست تيتة بصوت ضعيف مكسور
وكنت فاكرة إنكم اختفيتم ومحدش هيعرف أبدًا
قال كريم ودموعه بدأت تنزل
اختفيينا بس مش نسينا. أبويا ماټ بعدها بسنوات وهو مكسور القلب ومش قادر يبرأ اسمه. وأنا كبرت وأنا معايا هدف واحد أرجع أجمع الخيوط اللي اتقطعت، وأعرف الحقيقة كاملة وأوصل للي بقي منكم، عشان أشرح وأصلح ما يمكن إصلاحه.
بصلي أنا، وقلبي كان
بيخفق بسرعة
خوف ودهشة مع بعض
ولقيتكِ أنتِ يا سارة بنت اللي اتحملت كل حاجة مكان غيرها. عرفت إن أمك وبوكِ ابتعدوا عشان نفس التهديدات القديمة وإن تيتة خبيت كل حاجة عشان تحميكِ مهما كلفها الأمر. كنت قريب منكِ عشان أتأكد أولًا إنكِ آمنة، وعشان أجمع كل ما يثبت براءة أبويا وأيضًا لأنني مع الوقت حبيتكِ بجد، من غير خطة ولا سبب، حب طلع من القلب لوحده.
صاحبتي منى كانت واقفة في الزاوية ودموعها بتجري، وفهمت دلوقتي ليه كانت حاسة إن فيه حاجة غريبة لإن كلامه كان صحيح بس مش في الوقت اللي كنّا مستعدين نسمعه فيه.
تيتة مدت إيدها ببطء، ولمست الندبة بتروح
وريح، وابتسمت أخيرًا ودموعها بتتساقط بحرية
عرفت إن الوش ده مش غريب بس الذاكرة كانت بتخدعني شوية من المړض، لحد ما شفت الأثر ده. نفس الچرح اللي ما نسيتُه يومًا وكنت خاېفة إنه ييجي يوم ويجيب معاه كل الألم القديم.
كمل كريم
جيت عشان أطلب الصفح أولًا وعشان أرد الحقوق اللي ضاعت، وأثبت إن الحقيقة ماتتخبيش للأبد. ولو كنتِ عايزة تمشي وتنهي كل حاجة دلوقتي هتفهم تمامًا، ومش هلومكِ أبدًا. بس حبيت تعرفي كل حاجة قبل ما تمضي أي خطوة تانية.
سكت شوية، وبعدين كمل بصوت أرق
وصدقيني يا سارة الحب اللي جاني ليكِ ده ما كانش جزء من الخطة أبدًا. ده جاني منكِ أنتِ من لطفكِ، من صبركِ، من طريقة حبكِ لجدتكِ واهتمامكِ بيها. الهدف الأول اتغير وبقيتِ أنتِ الهدف والغاية والكل.
قربت منه ببطء، وبصيت في عينيه العينين اللي كنتِ شايفة فيها الطيبة من أول يوم، واللي دلوقتي عرفت إنها تحمل كمان أمانة وصدق ومحاولة تعويض. رفعت الدبلة اللي كنتِ شلتها من صبري، وقلت بصوت هادي بس واضح
السر اللي خبيته السنين صعب، ومؤلم. بس الحقيقة إنك جيت لتحملها مش لتخفيها وده الفرق الكبير.
وبصيت لتيتة اللي كانت بتتبسم ووشها بيعود له النور القديم تاني، وقالت بصوت خاڤت
قلتلكِ يا سارة شوفي القلب أولًا وها هو القلب طيب، زي ما الوش كان بيقول.
بدأ المأذون يقرأ من جديد، وهذه المرة كانت الكلمات بمعناها الحقيقي حب مشوب بتاريخ طويل، وبداية جديدة تجمع ما فرقته الأيام، وتعوض كل ما ضاع من سنين وصبر.
بعد الفرح الصغير في الأوضة، وبينما كنتِ بجمع حبات اللولي المتناثرة على الأرض، قالت لي تيتة وهي بتشد إيديها
الدنيا بتلف يا بنتي والجراح بتخلي علامات، بس العلامات دي مش دايماً علامات ألم أحياناً تكون دليل إن الحقيقة رجعت، وإن اللي بيصبر وينتظر، بيلاقي الخير في النهاية، وإن ما حدش بياخد من الدنيا أكتر من اللي هو قادر عليه وإن الحب الحقيقي بيجمع حتى لو فرقته السنين.
وكريم جنبي، لمس كفيه كفيّ، وهمس
ما كنتش عايز أبداً أبدأ معاكِ بكذب وده سبب إنني قلتلكِ بعد ما تعرفي مفيش رجوع إما تمشي بعيد، أو نكمل الطريق مع بعض، ونجعل من الماضي بداية لشيء أجمل وأقوى.
والحقيقة إننا كملنا وكل ما كنتِ أتذكر كلام منى في البداية، أضحك وأقول لها أنتِ كنتِ تحذريني من الأسرار وطلع سرّه هو اللي ربطنا أكتر، وخلانا نعرف إننا مش غريبين عن بعض، وإن القدر بيجمع حتى لو بطرق غريبة ومؤلمة أولًا.
وبعد فترة، لما بدأت تتحسن حالة تيتة شوية، وبقيت تقدر تتكلم بوضوح أكتر، جاب كريم كل الأوراق والدلائل القديمة، ورجع براءة أهله، وثبت الحقيقة كاملة قدام الجميع وكل ما كانت تلمس الندبة القديمة، كانت تقول
چرح صغير لكنه فتح
باب الحقيقة، وباب الحب الجديد كمان.
تمت

تم نسخ الرابط