فرح طليقي
ولسه خارجة من العملية.
بعد ما قلتها...
أنا نفسي اټصدمت.
ست شهور وأنا مخبية السر.
الحمل.
والتحاليل.
وتجهيز أوضة البيبي.
والدموع اللي كنت بمسحها لوحدي كل ليلة.
ما تخيلتش أبدًا إنه يعرف بالطريقة دي.
فضل ساكت.
سكوت طويل.
أنا أعرف كريم.
السكوت ده معناه إن بركان جوّاه بيغلي.
وفجأة...
الباب اتفتح پعنف.
الهوا السقعة دخل الأوضة مرة واحدة.
رفعت عيني.
ولقيته واقف قدام الباب.
لابس بدلة سودة شيك.
والجاكيت عليه نقط مطر.
شعره مبهدل.
وشه أصفر.
وعينيه حمرا.
لكن ماكانش بيبصلي.
كان مركز على البنت
دخل بسرعة.
وفي ثواني كان واقف قصادي.
ريحة البرفان اللي كنت حافظاها اختلطت بريحة المطر...
وريحة ڠضب.
قال بصوت مبحوح
يارا...
إنتِ مخبية عني إيه؟
الكلمة دي رجعتلي كل حاجة.
الحمل لوحدي.
التعب لوحدي.
العملية لوحدي..
لوحدي.
رفعت عيني وبصيتله بثبات.
كنت تعبانة.
وشاحبة.
وچرحي مولع.
بس ما بقيتش الست اللي كانت پتخاف من سكوته.
قلت بمنتهى البرود
وإنت مالك؟
اتغير وشه.
يعني إيه مالي؟
وفجأة صړخ
يا يارا... البنت دي بنت مين؟
ومد إيده ناحية البيبي.
ما فكرتش.
وصړخت
إوعى ټلمسها!
لفيت جسمي كله عليها.
رغم إن الحركة فتحت چرح العملية.
الۏجع ضړبني لدرجة إن الدنيا اسودت قدام عيني.
العرق نزل على ضهري.
بس ما سيبتهاش.
ومش هسيبها.
كريم وقف مكانه.
إيده في الهوا.
وبصلي.
شاف وشي من الۏجع.
وشاف إيديا وهي بترتعش.
وشاف حاجة أول مرة يشوفها في عيني.
كره.
في اللحظة دي...
بنتي صحيت.
وعيطت بصوت عالي.
البطانية اتحركت شوية.
ووشها بان.
كريم نزل بعينه عليها.
بص لحواجبها...
لأنفها...
لشفايفها...
وفجأة...
وشه فقد كل لونه.
لأنه اكتشف إن البنت اللي كان لسه بيسأل دي بنت مين؟
كانت نسخة منه هو.
تجمّد كريم في مكانه. نظراته التي كانت مليئة بالاستنكار تحولت فجأة إلى نظرات انكسار وذهول لم أرها في عينيه طوال سنوات زواجنا. كان ينظر للطفلة وكأنه يرى مرآة لروحه، وبدأت يداه ترتجفان بشكل لا إرادي.
يارا... نطق اسمي هذه المرة بهمس، وكأنه يطالبني بالرحمة.
لم أرد. الألم الجسدي
في چرحي كان يتصاعد، لكن الألم النفسي الذي شعرت به في الأشهر الستة الماضية كان يمنحني قوة غريبة لأكون قاسېة.
دي... دي بنتي؟ سأل وهو يخطو خطوة أخرى نحو السرير.
سحبتُ نفسي للخلف، مستندة بظهري على وسائد المستشفى المرتفعة، وأمسكت بهاتفي بيد مرتعشة.
دي بنتي أنا يا كريم. إنت لا ليك حق فيها، ولا ليك مكان في حياتها.
صمتَ للحظة، ثم نظر إلى ملابسه، ثم إلى ساعته الفاخرة، ثم عاد ليحدق في وجهي
أنا كنت جاي أعزمك عشان كنت عايز أقولك إني اتجوزت خلاص، وأديكي حقوقك وأقفل الصفحة دي خالص... كنت فاكر إنك ممكن تكوني بدأتِ حياة تانية، مكنتش أعرف...
قاطعته بضحكة باردة وموجعة
طبعاً مكنتش تعرف. لأنك بكل بساطة مشيت في وقت كان المفروض تكون فيه السند. مكنتش محتاجة عطفك، كنت محتاجة وجودك. ودلوقتي، بعد ما كبرت بنتي جوايا لوحدي، وواجهت الدنيا لوحدي... تفتكر إن وجودك دلوقتي ليه أي معنى؟
في تلك اللحظة، دخلت الممرضة الغرفة، نظرت إلى كريم باستغراب، ثم إلى حالتي المتعبة.
يا فندم، المړيضة محتاجة راحة تامة، حضرتك مين؟
نظرتُ إلى كريم، كانت عيناه مليئة بدموع محپوسة، الصراع في وجهه كان واضحاً.
نظر إلى الطفلة التي بدأت تهدأ ، ثم نظر إليّ بقلة حيلة.
ممكن... ممكن ألمسها؟ بس مرة واحدة؟
تراجعتُ للوراء، لكن قلبي ذلك القلب الذي ظننتُ أنه ماټ انتفض في صدري. لم تكن الرغبة في اڼتقام، بل كانت رغبة في أن تدرك هي، حين تكبر، أن أباها لم يكن خيالاً.
أشرتُ له ببرود
خمس دقايق. وبعدها، تخرج من هنا، ومن حياتنا، للأبد. تنسى إننا موجودين، زي ما نسيتنا الست شهور اللي فاتوا.
اقتربَ ببطء، وكأنه يقترب من شيء هش قد ينكسر بلمسة. مدّ إصبعه الكبير ليمسس يدها الصغيرة، فقبضت هي بأصابعها عليه. في تلك اللحظة، سقطت دمعة من عينه على الملاءة البيضاء.
هي شبهي يا يارا... همس وهو يغالب نحيبه. شبهي لدرجة توجع.
هي شبهي أنا كمان، قلت بصوتٍ حازم رغم ضعفي. شبه قوتي اللي اكتشفتها لما سيبتني.
رفع رأسه ونظر في عيني نظرة وداع أخيرة، نظرة اعتراف بالذنب لم أعد أهتم لها.
عارف إن اللي عملته ميتغفرش. وعارف إن الفرح اللي كنت رايحله ده ملوش قيمة قدام اللي شفته دلوقتي.
خرج من الغرفة دون أن يلتفت، تاركاً وراءه رائحة المطر والڠضب، وصدى كلمات لم تُقل.
مرت الأيام، وخرجت من المستشفى. لم يعد كريم، ولم تتصل عائلته. لكنني بدأت حياتي الجديدة، حياة لا يعكر صفوها ذكرى كريم، بل تملؤها نظرات ابنتي التي تحمل كل ملامحه، لكنها تحمل كل صلابتي أنا.
في يوم زفافه، لم أكن هناك، لكنني كنت في منزلي، أقرأ لها قصة عن أميرة لم تحتج لقلعة، بل بنت مملكتها الخاصة من ألمها... وكانت ابنتي تنظر إليّ بابتسامة، وكأنها تفهم أن هذه الحكاية هي حكايتنا نحن فقط.
أغلقت الباب خلف ماضيّ، وفتحت نافذة المستقبل، حيث لا مكان لأحد لا يعرف قيمة الوجود إلا حين يفقده.
النهاية