أب تـحت الـشـمـس بقلم منــال عــلي

لمحة نيوز

لمح أبوه بيبيع مية تحت الشمسوفي لحظة واحدة، كل اللي حققه في حياته اتكسر جواه من غير صوت.
حر القاهرة كان تقيل بشكل يخنق.
حتى وهو قاعد جوه عربيته ال الفخمة، كان حاسس إن الشمس داخلة عليه من كل ناحية بره، زحمة الإشارة كانت واقفة كالعادة ميكروباصات بتكعّب دخان، كلاكسات شغالة على طول، وبياعين بيعدّوا بين العربيات بخفة وتعب في نفس الوقت. واحد شايل شواحن موبايل، وواحد تاني بيبيع موز، وولد صغير بيخبط على الشباك بكيس سوداني معلق في إيده.
آدم ما كانش واخد باله من حد بقلم منال علي 
كان مركز في موبايله، بيقلب في رسائل شغل مع مستثمرين بره، وعقد متأخر، ورسالة من مساعده مكتوب عليها مهم. السواق كان واخده طريق جانبي علشان يهرب من الزحمة، وآدم كان متضايق إنه بيضيع وقت.
فجأة سمع صوت ضعيف من بره
مية ساقعة مية ساقعة يا باشا
صوت عادي جدًا في الشارع، بس حاجة في نبرته خلت آدم يرفع راسه.
شاف راجل كبير في السن ماشي بين العربيات، شايل جردل مليان أكياس مية على راسه. هدومه لازقة في ضهره من العرق. ضهره منحني، وخطواته بطيئة كأن كل خطوة محتاجة مجهود كبير.
آدم بص مرة وبعدين تاني بقلم منال علي 
الراجل وقف لحظة ومسح وشه بإيده.
وساعتها الدنيا وقفت.
ملامح الوش اللحية البيضا وقفة الجسم الإيدين
ده كان أبوه.
آدم اتجمد، وإيده لسه ماسكة الموبايل بقلم منال علي 
مش شبه أبوه
مش غريب شبهه
ده أبوه.
حسن.
الراجل اللي كان نجّار شاطر، بيشتغل بإيده ويصنع أثاث عمره ما يتنسي. اللي كان بيغني وهو بيقيس الخشب في الورشة. اللي كان شايله على كتفه وهو صغير ويقوله الراجل لازم يسيب أثر بعده.
ودلوقتي نفس الراجل، عنده 80 سنة، بيبيع مية في الإشارة تحت الشمس.
حضرتك؟ السواق قالها بهدوء. كويس؟
آدم ما ردش.
كان بيبص لأبوه وهو بيقف عند عربية، يبيع كام كيس لواحدة قعدة ورا، ويعد الفلوس بإيده اللي بترتعش. وبعدين يكمل على العربية اللي بعدها، شايل الجردل فوق راسه، جسمه بيترعش من التعب.
اقف العربية قال آدم فجأة بقلم منال علي 
السواق بص له في المراية. حضرتك؟
قولت اقف!
الفرامل شدت فجأة، والكلاكسات علت من ورا.
آدم فتح الباب ونزل في الحر.
الناس بصت له باستغراب. مش كل يوم حد نازل من عربية فخمة في نص الزحمة. بس هو ما كانش شايف حد. كان شايف أبوه بس، اللي ماشي قدامه على بعد كام عربية.
يا بابا!
الكلمة خرجت منه مكسورة.
ضعيفة واختفت وسط صوت العربيات.
جري آدم بين العربيات والناس.
يا بابا!
المرة دي حسن وقف.
لف ببطء، عينيه بتحاول تركز بقلم منال علي 
ولما شاف آدم إيده ارتعشت فجأة، 
والجردل وقع منه، وأكياس المية اتناثرت على الأرض.
الجزء التاني 
لحظة ولا واحد فيهم اتحرك.
واقفَين في نص الزحمة أب وابنه، بينهم سنين طويلة، وكل واحد بيبص للتاني وكأنه بيشوف كل اللي ضاع بينهم.
آدم؟ قالها الأب أخيرًا بصوت ضعيف، أقرب للهمس بقلم منال علي 
آدم كان نفسه يجري عليه. كان نفسه ينزل على الأرض ويلم كل الأكياس بإيده. كان نفسه يسأله ألف سؤال مرة واحدة. لكن الخجل كان خانقه كالدخان في حلقه.
إنت بتعمل إيه هنا؟ قالها، وندم أول ما الكلمة خرجت منه.
الأب انحنى بهدوء وبدأ يجمع الأكياس.
وقال بصوت هادي بشتغل.
بتشتغل؟ صوت آدم اتكسر. إنت عندك 80 سنة.
82، صحح له الأب من غير ما يبصله.
سواق ميكروباص زعق فيهم علشان يمشوا. والناس بدأت تتلم حوالين المشهد، وفي حد طلع موبايله يصور. آدم ركع على الأرض وبدأ يساعده يجمع الأكياس، وجزمه الغالية غاصت في المية المتسخة.
إنت عايش فين؟ سأل. بقلم منال علي 
الأب رفع الجردل تاني رغم إن إيده كانت بترتعش بشكل واضح.
مش مهم.
لا مهم بالنسبة لي.
بص له الأب أخيرًا، ونظرته كانت أقسى مما آدم توقع.
بجد؟ بعد 12 سنة؟
الكلام كان زي القلم على وشه.
آدم وقف ببطء، ولسه ماسك شوية أكياس في إيده.
أنا كنت ببعت فلوس كل شهر كل شهر.
فلوس إيه؟
على الحساب البنكي الحساب اللي فتحتهولك قبل ما أسافر.
الأب بص له بقلم منال علي 
أنا ما شفتش أي حاجة خالص.
صوت الشارع بدأ يختفي في ودان آدم. الدنيا لفت بيه.
ده مستحيل.
الأب قال بهدوء أنا ببيع مية بقالى 3 سنين عشان أعيش. لو كنت ببعت فلوس، يبقى حد تاني بيستلمها.

تم نسخ الرابط